فخر الدين الرازي

113

تفسير الرازي

ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء فيحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون فجعلهما آيات عامة ، وأما قوله : * ( لقوم يتفكرون ) * فاعلم أن من الأشياء ما يعلم من غير تفكر ، ومنها ما يكفي فيه مجرد الفكرة ، ومنها ما لا يخرج بالفكر بل يحتاج إلى موقف يوقف عليه ومرشد يرشد إليه ، فيفهمه إذا سمعه من ذلك المرشد ، ومنها ما يحتاج إلى بعض الناس في تفهمه إلى أمثلة حسية كالأشكال الهندسية لكن خلق الأزواج لا يقع لأحد أنه بالطبع إلا إذا كان جامد الفكر خامد الذكر ، فإذا تفكر علم كون ذلك الخلق آية ، وأما المنام والابتغاء فقد يقع لكثير أنهما من أفعال العباد ، وقد يحتاج إلى مرشد بغير فكرة ، فقال : * ( لقوم يسمعون ) * ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد . * ( وَمِنْ ءايَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَيُحْىِ بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * . لما ذكر العرضيات التي للأنفس اللازمة والمفارقة ذكر العرضيات التي للآفاق ، وقال : * ( يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : لما قدم دلائل الأنفس ههنا قدم العرضيات التي للأنفس وأخر العرضيات التي للآفاق كما أخر دلائل الآفاق ، بقوله : * ( ومن آياته خلق السماوات والأرض ) * ( الروم : 22 ) . المسألة الثانية : قدم لوازم الأنفس على العوارض المفارقة حيث ذكر أولاً اختلاف الألسنة والألوان ثم المنام والابتغاء ، وقدم في الآفاق العوارض المفارقة على اللوازم حيث قال : * ( يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل ) * وذلك لأن الإنسان متغير الحال والعوارض له غير بعيدة ، وأما اللوازم فيه فقريبة . وأما السماوات والأرض فقليلة التغير فالعوارض فيها أغرب من اللوازم ، فقدم ما هو أعجب لكونه أدخل في كونه آية ونزيده بياناً فنقول : الإنسان يتغير حاله بالكبر والصغر والصحة والسقم وله صوت يعرف به لا يتغير وله لون يتميز عن غيره ، وهو يتغير في الأحوال وذلك لا يتغير وهو آية عجيبة ، والسماء والأرض ثابتان لا يتغيران ، ثم يرى في بعض الأحوال أمطار هاطلة وبروق هائلة ، والسماء كما كانت والأرض كذلك ، فهو آية دالة على فاعل مختار يديم أمراً مع تغير المحل ويزيل أمراً مع ثبات المحل . المسألة الثالثة : كما قدم السماء على الأرض قدم ما هو من السماء وهو البرق والمطر على ما هو من الأرض وهو الإنبات والإحياء . المسألة الرابعة : كما أن في إنزال المطر وإنبات الشجر منافع ، كذلك في تقدم البرق والرعد على المطر منفعة ، وذلك لأن البرق إذا لاح ، فالذي لا يكون تحت كن يخاف الابتلال